«دار الرافدين»: العدوان الصهيوني لا يعني نهايتنا

ضمن عدوانها الغاشم على الضاحية الجنوبية لبيروت، قصفت طائرات العدو الصهيوني مساء الأحد الماضي المبنى الذي يقع فيه أحد فروع مكتبة دار الرافدين (بيروت/بغداد)، الذي يضم أيضاً مكاتب الدار وأقسامها الرئيسية. تأسّست الدار في عام 2004، وقد صمّمَ شعارها الخطاط الراحل مختار البابا، نجل الخطاط الكبير كامل البابا، وقدّمه كهدية في مناسبة افتتاح الدار.
وكانت الدار تستعد للاحتفاء بذكرى تأسيسها العشرين بفاعلية أدبية وثقافية في فروعها المنتشرة بين لبنان والعراق قبل هذا العدوان. بدأت الدار بنشر كتب مختصة في التراث وتاريخ العراق والجزيرة العربية، ثمّ توسّعت دائرة اهتماماتها لتشمل الفلسفة والشعر والرواية العربية والروايات المترجمة. وفي نهاية المطاف، عثرت الدار على هويتها وبَصمتها الخاصة في الآداب والعلوم الإنسانية، واستطاعت في مدة قصيرة نسبياً أن تحجز مكانةً لها بين دور النشر المرموقة والعريقة التي سبقتها في عاصمة الكتاب، بيروت. ورفدت القرّاء العرب واللبنانيين بعناوين مهمّة ضمن كاتالوغ موجه ومدروس للنشر، مثل الأعمال الكاملة للشاعر اللبناني بسام حجار، والشاعر العراقي الكبير بدر شاكر السياب، والآثار المحققة لعلّامة الشام محمد كردعلي، بالإضافة إلى أعمال مترجمة لكتّاب عالميين مثل فرانز كافكا، وتوماس مان، وسهراب سبهري وغيرهم. منذ تأسيسها، حملت «دار الرافدين » هوية مزدوجة لبنانية ــ عراقية برؤية منفتحة على الآفاق الأدبية والمعرفية، كما يوضح صاحبها اللبناني من أصول عراقية، محمد هادي. يشير هادي إلى أنّ الدار مسجلة رسمياً في العراق ولبنان، فضلاً عن الإمارات العربية المتحدة. وفي تعليقه على العدوان، يقول هادي إنّ الغارة الإسرائيلية قد استهدفت مكتبة واسعة وصالة عرض تضمّ إصدارات الدار وبعض دور النشر الأخرى، بالإضافة إلى الطبقة العلوية التي تشمل مكاتب الدار، بما في ذلك قسم المحاسبة، والتصميم الداخلي، والإخراج، وقسم التسويق، وجزء من الأرشيف الذي شرعت الدار قبل العدوان في هيكلته وحفظه ضمن خطة للطوارئ. ويضيف هادي: «ننتظر أن تنتهي الحرب، ولا سيما أنّ موظفي الدار قد تفرّقوا في مناطق وبلدان عدة، ويعاني بعضهم ظروفاً صعبة، وتحاول إدارة الدار التواصل معهم. كما أنّ فرع الدار الثاني في منطقة الحمرا (شارع المقدسي) يعمل حاليّاً بشكل جزئي رغم قلّة المبيعات. ومن محاسن الصدف، أن القائمين على المكتبة تمكنوا في الساعة الأخيرة، قبل اشتداد الأزمة، من سحب مجموعة من الكتب من مستودع الضاحية الجنوبية وشحنها إلى أربعة معارض عربية في ليبيا والجزائر والشارقة والكويت، إذ إن هذه الدول تشكل قاعدة قرّاء جيدة للدار، ناهيك بفروع العراق، التي يتعذر تزويدها بالعناوين الكاملة، لأن خدمات الطباعة والشحن والتموين تتمركز في بيروت».
ورغم مشهد الدمار الهائل الذي بثته الدار على صفحاتها في وسائل التواصل الاجتماعي، يحتفظ هادي بمنسوب عالٍ من التفاؤل والإيجابية. إذ تعمل إدارة الدار حالياً على عدّة خطط قد تتبلور مع بداية السنة الجديدة. رغم أنّ «إعادة الإعمار ستتطلب سنوات، ومن المستبعد العودة إلى مكاننا الذي افتتح في عام 2011. الحاجة إلى مكان بديل حتمية، لكنني قطعاً متفائل. أنا وفريق العمل على يقين بأنّ الدار ستعود بحلّة جديدة، أوسع وأجمل وأقوى مما كانت عليه من قبل. وستكون باكورة هذا التعافي والنهوض من تحت الرماد طباعة الأعمال القصصية الكاملة لأنطون تشيخوف (عشرة مجلدات) بتحرير مهني محترف، وستصدر في الربع الأوّل من العام المقبل، مع إصرار على نجاح يفوق كل النجاحات السابقة».
